
في أكثر من عشرة بحوث مضت تحدثت عن الموت واصفاً حقيقته التكوينية التي عبّرت عنها بالمرحلة الإنتقالية من عالَم إلى عالم آخر مشبِّهاً عملية الإنتقال هذه بعملية انتقال الإنسان من الصلب إلى الرحم ثم من الرحم إلى هذا العالم الخارجي المعروف بعالم الدنيا.
ولا ينبغي لأي راغب بالمعرفة وهادفٍ إلى الوصول للحقائق الغامضة والقضايا المعقدة أن يسمح لنفسه بمعرفة أمر بعينه من دون ملاحظة متعلقاته السابقة والحاضرة واللاحقة.
إن حقيقة الموت التي تجدر معرفتها والتي نعمل على الكشف عنها من خلال هذه الأبحاث ليست مجرد وضع تعريف منطقي يحدد الشكل العام لتلك الحالة، والتعريف المنطقي للموت هو خروج الروح من الجسد، ونحن كمؤمنين بالموت وما يكون بعده لا يجدر بنا الإكتفاء بهذا القدر من البيان الخاص به إذ يجب علينا حذو حذوِ القرآن في عملية كشفه عن الحقائق الهامة وبيانه للقضايا الكبرى التي يُعتبر الإيجاز بها وعنها خللاً في ماهيتها ونقصاً في الكشف عنها.
إن إعجاز كتاب الله يكمن في إيجازه المميز الذي لم يتسبب إيجازه في إحداث أي خلل في جميع الإتجاهات المشار إليها في هذا الكتاب العظيم، ورغم قوة الإيجاز في القرآن غير أنه لم يكتف بذكر المفاهيم الكلية والإشارات العامة للموت، وإنما صوّره لنا على أنه مجموعة مراحل وعدة أحداث تكوّن مجتمعة تلك الحقيقة التي ندعو الجميع إلى التعرف عليها لما في ذلك من فوائد جمة للجميع على مستوى الدنيا والآخرة لأن فائدة معرفة الموت لا تنحصر في يوم القيامة فحسب وإنما تشمل هذه الحياة أيضاً.
فالقرآن الكريم لم يقف عند التعريف العام للموت بل أشار إلى العديد مما يسبقه وما يحصل عنده وما يحدث بعده، وهذا يدلنا على أن الحديث عن الموت ينبغي أن يكون تاماً عبر ذكر مقدماته وبيان ما يتصل به بعده مما هو متأخر رتبة عنه بالتكوين.
وما نذكره عن الموت وما يتصل به قبلاً وبعداً ليس أحجية بل هو واقع ملموس، وإن باستطاعة أي إنسان منا أن يتأمل قليلاً في حديث القرآن عن الموت وسوف يصل إلى هذه النتيجة، ولو كان هذا الموضوع موضوع بحثي هنا لما كفى هذا البحث لذكر النماذج المشيرة إلى هذه الحقيقة.
والغرض الأساسي من ذكر هذه المقدمة هو بيان سعة مفهوم الموت الذي يجب الإعتناء بأدق تفاصيله من قبل الجميع، وتتم هذه العناية بالترجمة العملية التي تتحقق من خلال النظر إلى كل ما يحيط بهذا المفهوم من القضايا العامة والأحداث الخاصة.
وما يلحق الموت من مفاهيم وأحداث ومواقف هي أكثر بكثير مما يسبقه أو مما يكون عنده، والعنوان العام لهذه البحوث التي أعمل عليها والتي مضى منها أكثر من ثلاثين بحثاً حتى الآن هو يوم القيامة وما يحدث فيه من نشور ومساءلة وحساب وثواب وعقاب وصراط وميزان وأعراف وجنة ونار وغير ذلك مما لا يمكن بيانه ببضعة بحوث.
وقلت في السابق وأقول الآن إن البحث في موضوع يوم القيامة مجرداً عن الكلام في المدخل لهذا اليوم يُعتبر بحثاً ناقصاً في المعلومات وعلى صعيد الفائدة التي لا تتم إلا بالإحاطة بكل ما يتصل بذلك اليوم وإن كان بعيداً عنه من وجهة نظر المخلوقين فإن البعيد في نظرنا هو قريب في نظر الخالق سبحانه الذي صوّر لنا مدى قرب ذلك اليوم حيث قال(تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا)
وقال(وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً)
وبعد دراسة واسعة لهذه الدراسة التي نحن بصددها، وبعد مراجعة العديد من المصادر الخاصة بهذا الشأن رغم تفاوت تلك المصادر من حيث الصحة والعمق والتحليل أصبحت على قناعة تامة أن أفضل من كشف للبشرية عن حقيقة الموت وما يليه من مراحل بعد كشف القرآن عنها هو الإمام أمير المؤمنين علي(ع) الذي قلّ أن تجد خطبة من خطبه بعيدة عن ذكر الآخرة.
فلقد أشار الإمام في أكثر من موضع إلى الموت وما بعده وقد غلب على كلامه الطابع الوعظي غير أن المراد منه لم يقتصر على الموعظة بل إنه شمل أرقى مستويات المعرفة، لأنه في أكثر كلماته وخطبه وحِكمه كان في مقام الكشف عن الحقائق العلمية بشكل عام، وإن فُهم للوهلة الأولى معنى الموعظة في كلامه الذي أشبه حاله حال أدعية المعصومين(ع) التي اشتملت على العديد من القضايا العلمية الكبرى، وهي في الأول والأخير أدعية يتقرب بها الداعي إلى ربه.
وبما أن أهل البيت(ع) نعمة للبشرية من جميع النواحي وخصوصاً في الأمور العلمية والعبادية وجب علينا الرجوع إليهم في جميع الأمور، وهذا الرجوع ليس أمراً إختياراً بل أمرٌ أمرنا الله به عندما أرجعنا إلى أهل الذكر فيما لا نعلم.
وقد يطول بنا الكلام حول مقدمات يوم القيامة ولا بأس بذلك لأن الإفصاح عما قبلها يتضمن شرحاً لما في ذلك اليوم، ولذا فإنني سوف أقف في عدة بحوث على نقاط أشير إليها في نهج البلاغة وهي ذات صلة بموضوع هذه الدراسة ثم بعد ذلك نتابع الكلام حول يوم القيامة.



